أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

289

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قال الشيخ « 1 » : « والمنقول عن الكوفيين عكس هذا الإعراب ، أي : يكون « إخراجهم » مبتدأ مؤخرا ، و « محرّم » خبر مقدم ، قدّم معه الفصل كما مرّ ، وهو الموافق للقواعد ، وألّا يلزم منه الإخبار بمعرفة عن نكرة من غير ضرورة تدعو إلى ذلك . التاسع : نقله ابن عطية أيضا عن بعضهم أن « هو » الضمير المقدّر في « محرّم » قدّم وأظهر . قال الشيخ « 2 » : « وهذا ضعيف جدا ، إذ لا ضرورة تدعو إلى انفصال هذا الضمير بعد استتاره وتقديمه ، وأيضا فإنه يلزم خلوّ اسم المفعول من ضمير ، إذ على هذا القول يكون « محرّم » خبرا مقدّما و « إخراجهم » مبتدأ ، ولا يوجد اسم فاعل ولا مفعول خاليا من الضمير إلا إذا رفع الظاهر ، ثم يبقى هذا الضمير لا ندري ما إعرابه ؟ إذ لا يجوز أن يكون مبتدأ ولا فاعلا مقدّما » وفي قول الشيخ : « يلزم خلوّه من ضمير » نظر ، إذ هو ضمير مرفوع به فلم يخل منه ، غاية ما فيه أنه انفصل للتقديم ، وقوله : « لا ندري ما إعرابه » قد درى ، وهو الرفع بالفاعلية . قوله : « والفاعل لا يقدم » ممنوع فإنّ الكوفيّ يجيز تقديم الفاعل ، فيحتمل أن يكون هذا القائل يرى ذلك ، ولا شك أنّ هذا قول رديء منكر لا ينبغي أن يجوز مثله في الكلام ، فكيف في القرآن ! ! فالشيخ معذور ، وعجبت من القاضي أبي محمد كيف يورد هذه الأشياء حاكيا لها ، ولم يعقّبها بنكير . وهذه الجملة يجوز أن تكون محذوفة من الجمل المذكورة قبلها ، وذلك أنه قد تقدّم ذكر أربعة أشياء كلّها محرّمة ، وهي قوله : « تقتلون أنفسكم ، وتخرجون ، وتظاهرون ، وتفادون ، فيكون التقدير : تقتلون أنفسكم وهو محرّم عليكم قتلها ، وكذلك مع البواقي . ويجوز أن يكون خصّ الإخراج بذكر التحريم وإن كانت كلّها حراما ، لما فيه من معرّة الجلاء والنفي الذي لا ينقطع شرّه إلا بالموت والقتل ، وإن كان أعظم منه إلا أنّ فيه قطعا للشرّ ، فالإخراج من الديار أصعب الأربعة بهذا الاعتبار . والمحرّم : الممنوع ، فإنّ الحرام هو المنع من كذا . والحرام : الشيء الممنوع منه يقال : حرام عليك وحرم عليك ، وسيأتي تحقيقه في الأنبياء . قوله : « فما جزاء من يفعل » : « ما » يجوز فيها وجهان ، أحدهما أن تكون نافية و « جزاء » مبتدأ ، و « إلّا خزي » « خبره » وهو استثناء مفرغ ، وبطل عمل « ما » عند الحجازيين لانتقاض النفي ب إلّا ، وفي ذلك خلاف طويل وتفصيل منتشر ، وتلخيصه أنّ خبرها الواقع بعد « إلّا » : جمهور البصريين على وجوب رفعه مطلقا ، سواء كان هو الأول أو منزّلا منزلته أو صفة أو لم يكن ، ويتأوّلون قوله : 601 - وما الدهر إلّا منجنونا بأهله * وما صاحب الحاجات إلّا معذّبا « 3 » على أنّ الناصب لمنجنونا ومعذبا محذوف ، أي : يدور دوران منجنون ، ويعذّب معذّبا تعذيبا . وأجاز يونس النصب مطلقا ، وإن كان النحاس نقل عدم الخلاف في رفع « ما زيد إلا أخوك » ، فإن كان الثاني منزّلا منزلة الأول نحو : « ما أنت إلا عمامتك تحسينا وإلّا رداءك ترتيبا » فأجاز الكوفيون نصبه ، وإن كان صفة نحو : ما زيد إلا قائم

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 292 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) البيت لأحد بني سعد انظر التصريح ( 1 / 197 ) ، الأشموني ( 1 / 248 ) ، الخزانة ( 2 / 129 ) ، الدرر ( 1 / 94 ) .